الحلبي
282
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
صدقة ، قال لا حاجة لي بها ، فأخرجها فأكلها أصحابه ، ثم انطلق فاشترى بدينار آخر خبزا ولحما ، فأتى به النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال ما هذا ؟ قال : هذه هدية : قال فاقعد فكل ، فقعد وأكلا جميعا منها ، فدرت خلفه ففطن بي فأرخى ثوبه ، فإذا الخاتم في ناحية كتفه الأيسر فتبينته ، ثم درت حتى جلست بين يديه ، فقلت : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول اللّه » وهذه الرواية تخالف ما تقدم فليتأمل ، ولينظر كيف الجمع . ونقل بعضهم الإجماع على أن سلمان عاش مائتين وخمسين سنة ، وكان حبرا عالما فاضلا زاهدا متقشفا ، وكان يأخذ من بيت المال في كل سنة خمسة آلاف ، وكان يتصدق بها ولا يأكل إلا من عمل يده ، وكان له عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها . قال بعضهم : دخلت عليه وهو أمير على المدائن ، وهو يعمل الخوص ، فقلت له لم تعمل هذا وأنت أمير وهو يجري عليك رزق ؟ فقال : إني أحب أن آكل من عمل يدي وربما اشترى اللحم وطبخه ودعا المجذومين فأكلوا معه . وأول مشاهده الخندق كما تقدم ، قيل وشهد بدرا وأحدا قبل أن يعتق : أي وهو مكاتب ، فيكون أول مشاهده الخندق بعد عتقه ، واللّه أعلم . وأما أخبار الكهان لا عن ألسنة الجان فكثيرة ، منها ما تقدم في ليلة ولادته صلى اللّه عليه وسلم وفي أيام رضاعه . قال : ومنها أيضا خبر عمرو بن معد يكرب رضي اللّه تعالى عنه قال : واللّه لقد علمت أن محمدا رسول اللّه قبل أن يبعث ، فقيل له : وكيف ذاك ؟ قال : فزعنا إلى كاهن لنا في أمر نزل بنا ، فقال الكاهن : أقسم بالسماء ذات الأبراج ، والأرض ذات الأدراج ، والريح ذات العجاج ، إن هذا لإمراج ، لعله من أجيج النار وهو التهابها ولقاح ذي نتاج ، قالوا وما نتاجه ؟ قال : نتاجه ظهور نبي صادق ، بكتاب ناطق ، وحسام فالق ، قالوا : وأين يظهر ؟ وإلى ما ذا يدعو ! قال : يظهر بصلاح ، ويدعو إلى فلاح ، ويعطل القداح ، وينهى عن الراح والسفاح ، وعن كل أمر قباح ، قالوا ممن هو ؟ قال : من ولد الشيخ الأكرم ، حافر زمزم ، وعزه سرمد ، وخصمه مكمد ، انتهى . ومنها خبر قس بن ساعدة الإيادي ، وهو أول من قال : البينة على المدعي واليمين على من أنكر . وأول من اتكأ على عصا أو قوس أو سيف عند الخطبة . وقيل إن أول من تكلم بأن البينة على المدعي واليمين على من أنكر داود عليه الصلاة والسلام ، وأن ذلك فصل الخطاب . وردّ بأنه لم يثبت عنه أنه تكلم بغير لغته عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال : « قدم وفد عبد القيس على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : أيكم يعرف القس بن ساعدة